الغزالي
53
الأربعين في اصول الدين
نفسه الحب في اللّه ، والبغض في اللّه بهذه الأسباب فهو ضعيف الإيمان ، وهذا له تفصيل وتحقيق ، فاطلبه من كتاب الصحبة والأخوة في اللّه تعالى . الأصل التاسع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : قال اللّه تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ آل عمران : 104 ] الآية . وقال تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] الآية . وقال تعالى : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [ المائدة : 79 ] . وقال أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - في خطبته : « أيّها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتتأوّلونها على خلاف تأويلها : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، وإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا أوشك أن يعمهم اللّه بعذاب من عنده » . وقالت عائشة - رضي اللّه عنها - : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « عذّب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا ، أعمالهم أعمال الأنبياء » . قالوا : يا رسول اللّه كيف ذلك ؟ قال : « لم يكونوا يغضبون للّه عز وجل ، ولا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر » . فصل كل من شاهد منكرا ولم ينكره وسكت عنه ، فهو شريك فيه ؛ فالمستمع شريك المغتاب . ويجري هذا في جميع المعاصي ، حتى في مجالسة من يلبس الديباج ، ويتختم بالذهب ، ويجلس على الحرير ، والجلوس في دار أو في حمّام على حيطانها صور أو فيها أوان من ذهب أو فضة ، أو الجلوس في مسجد يسيء الناس الصلاة فيه ، فلا يتمون الركوع والسجود والجلوس ، أو في مجلس وعظ يجري فيه ذكر البدعة ، أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الإيذاء والإيحاش بالسّفه والشتم . وبالجملة ، من خالط الناس كثرت معاصيه ، وإن كان تقيّا في نفسه ، إلا أن يترك المداهنة ولا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ويشتغل بالحسبة « 1 » والمنع . وإنما يسقط عنه الوجوب بأمرين : أحدهما :
--> ( 1 ) الحسبة : منصب كان يتولاه في الدول الإسلامية رئيس يشرف على الشؤون العامة ، من مراقبة الأسعار ورعاية الآداب . والمقصود هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .